هذه ليست مجرد جبهات أضيفت إلى حرب الولايات المتحدة وإيران، بل ملامح حرب مختلفة بدأت تتشكل حول المضائق والموانئ ومنشآت الطاقة، ففي هذا النوع من الحروب، لا يحتاج المهاجم إلى إغراق عشرات السفن أو إغلاق ممر بحري بالكامل، بل تكفي مسيّرة تصيب ناقلة، أو حريق في منشأة غاز، أو تهديد يتكرر مرات عدة، حتى ترتفع كلفة التأمين وتتردد شركات الشحن وتضطرب الأسواق، ويصبح كل ميناء في المنطقة جزءًا من حسابات الحرب.
لهذا كان استهداف سفينتين في ميناء دمياط تطورًا لا يشبه ما سبقه، فمصر لم تكن طرفًا في المواجهة العسكرية، والميناء يقع على البحر المتوسط، بعيدًا عن المشهد الذي اعتاد العالم متابعته في هرمز وباب المندب. ومع ذلك، وصلت إليه الحرب. صحيح أن التحقيقات المصرية لم تعلن حتى الآن نتائج نهائية تحدد الجهة المنفذة، لكن الحادثة وحدها كانت كافية لتأكيد أن اتساع تأثير الحرب لم يعد احتمالًا نظريًا.
والمشكلة أن إيران تحاول تحويل الجغرافيا إلى سلاح، فهي تطل على مضيق هرمز وتستخدم موقعها الجغرافي للضغط على حركة الملاحة والطاقة، وتحرك الميليشيات الموالية لها في العراق، وتستخدم الحوثيين في اليمن للضغط على باب المندب والبحر الأحمر، وتحارب بحزب الله الإرهابي في لبنان. وبهذا تستطيع توزيع الخطر بين أكثر من ساحة، وترك دول المنطقة أمام اعتداءات تأتي أحيانًا من خارج الحدود، أو عبر جماعات لا تحمل رسميًا علم الدولة التي تدعمها.
لكن هذا الأسلوب يواجه معادلة جديدة، فالسعودية التي أكدت مرارًا أنها لا تسعى إلى التصعيد، أوضحت في الوقت نفسه حقها الأصيل في الدفاع عن نفسها ومقدراتها واحتفاظها بحق الرد في الوقت والمكان المناسبين، وبعد اعتراض المسيّرات التي حاولت استهداف منطقتي الشرقية والرياض، نفّذت القوات المسلحة السعودية، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية، ضربات محددة ضد أهداف لميليشيات إرهابية موالية لإيران مرتبطة بالهجمات على المملكة.
كما انتقلت الرياض من التعامل مع الاعتداء المباشر إلى بناء إطار أشمل لمنع تكراره، بإعلان إنشاء التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، وتولت المملكة قيادة التحالف واستضافة مقره الدائم وقيادته المشتركة ومراكز عملياته. وهنا تكمن أهمية الخطوة السعودية، فهي لم تأت على شكل رد انفعالي، ولم تقدم التحالف باعتباره جبهة ضد دولة بعينها، بل إطار دفاعي لحماية حرية الملاحة وخطوط التجارة وإمدادات الطاقة في باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن.
بهذا المعنى، لا يمثل التحالف توسيعًا للحرب، بل محاولة لمنعها من التمدد. فالفراغ في البحر لا يبقى فراغًا طويلًا؛ إما أن تملأه قوة منظمة تحمي الملاحة، أو تملؤه الميليشيات بالمسيّرات والصواريخ والألغام، والمملكة اختارت أن يكون الرد جماعيًا ومؤسسيًا، لا أن تبقى كل دولة مضطرة إلى حماية سفنها وموانئها وحدها. نطاق التحالف في باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن يمنح المنطقة خط دفاع تقوده دولها على امتداد أحد أهم مسارات التجارة والطاقة في العالم، ويتكامل مع الجهود الدولية لحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز، ومنع إخضاع الممرات البحرية للتهديد أو الابتزاز.
تعامل العالم سنوات مع هجمات السفن باعتبارها أزمات مؤقتة، ترتفع وتيرتها فتصل بوارج إضافية، ثم تنخفض الهجمات ويعود كل طرف إلى موقعه، أما اليوم فالمشكلة لم تعد في سفينة أو مضيق واحد، ونحن أمام شبكة اعتداءات تمتد من هرمز إلى باب المندب، ومن منشآت النفط في الخليج إلى سفن الغاز في دمياط.
من هنا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت المنطقة تحتاج إلى ردع بحري جماعي، بل كيف يمكن بناؤه بسرعة قبل أن تصبح كل ناقلة هدفًا محتملًا، وكل ميناء ساحة جديدة للحرب؟ وهنا وضعت المملكة بقيادتها للتحالف الجديد الإجابة الأولى بأن حماية الممرات ليست مسؤولية الدولة المطلة عليها وحدها، والاعتداء على سفينة تجارية ليس حادثًا محليًا، وأمن البحر لا يُصان بكفاءة إلا بنظرة جماعية.
حرب المضائق بدأت بالفعل، لكن التحالف الذي أعلن من الرياض يقول إن المبادرة لن تبقى بيد من يطلق المسيّرات، وحان وقت الردع الجماعي لحماية دول المنطقة والاقتصاد العالمي من حرب تحاول إيران وأذرعها نقلها إلى كل ممر وميناء وبقعة في المنطقة.