لكن هذا النظر إلى الماضي لا يقتصر على الجماليات أو ثقافة البوب. فالتطلع إلى الماضي يساعد على فهم الحاضر أو تخيّل واقعيات أخرى ممكنة. اليوم، يبدو أن جيل زد يبحث عن أسلوب حياة لم يعشه من قبل. «عمري 22 عامًا وأنا على وشك التخرج من الجامعة. شيء أدركته خلال هذا الوقت هو أنني أكره هاتفي الذكي نوعًا ما. كل من أراه ملتصقًا به طوال الوقت، لا أحد يتحدث مع الآخر». هذه شهادة عادية من أحد المنتديات، لكنها تلخص جيدًا شعور من سئموا حياة تُدار عبر الشاشات والإشعارات والخوارزميات.
تتحدث دراسات متزايدة عن الإرهاق التكنولوجي والتشبع المعلوماتي كظواهر بنيوية. لذلك، في السنوات الأخيرة، تكاثرت المبادرات الهادفة إلى بناء علاقة أقل سُمية مع التكنولوجيا. وتشير دراسة أجرتها Mazinn وMadrid Content School، بمشاركة 639 شابًا تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، إلى أن ما يقارب النصف 49.9 % يدخلون إلى وسائل التواصل الاجتماعي أساسًا للتسلية. كما أفاد 55.7 % بأنهم طبّقوا استراتيجية ما لتقليل وقت الاستخدام. ومن بين الإجراءات الأكثر شيوعًا: تحديد وقت الاستخدام في التطبيقات 20.7 %، تعطيل الإشعارات 18.5 %، حذف أو إيقاف التطبيقات 18.2 %، القيام بـ«ديتوكس رقمي» 7.9 %، واستخدام منصات أخرى ذات محتوى أقل 0.9 %.
وعلى المستوى الدولي، تزداد شعبية حركة «Off» التي تروّج لمبادرات مثل «Off February»، والتي تشجّع على حذف تطبيقات التواصل الاجتماعي من الهواتف طوال شهر فبراير. كما أن هذا الاتجاه يخلق سوقًا جديدة. فعادت الهواتف البسيطة المعروفة بـ«dumbphone»، التي تتيح فقط المكالمات والرسائل مثل هواتف نوكيا القديمة، كما ظهرت هواتف ذكية جديدة صُممت لتقليل الإلهاء، مثل Balance Phone. ويؤكد مبتكروه، ألبرت بلتران وكارلوس فونتكلارا (26 عامًا)، أن هدفهم ليس الابتعاد عن التكنولوجيا، بل «استخدامها بوعي وإيجاد توازن حقيقي».
المفارقة أن الهروب من العالم الرقمي دون المرور به يبدو أمرًا صعبًا. فالكثير من هذه التوجهات تنتشر أيضًا عبر وسائل التواصل نفسها، وتتحول إلى محتوى داخل المنصات التي تنتقدها. هناك من يعلن انسحابه لأسبوع، ثم يعود ليخبر أنه احتاج إلى الانفصال، أو ينشر فيديو من الطبيعة ليطلب منا التوقف عن التمرير. فهل هو انفصال حقيقي أم مجرد شكل جديد من البحث عن التفاعل؟
مهما يكن، فإن هذه الممارسات تكشف أن علاقتنا بالتكنولوجيا معقدة. فمجرد الانفصال لبضعة أيام لا يكفي، لأن العادات الرقمية متجذرة منذ سن مبكرة، وتؤثر خصوصًا على المراهقين. ووفقًا لتقرير لليونيسف حول الطفولة والمراهقة والرفاه الرقمي، فإن الغالبية العظمى من المراهقين تستخدم وسائل التواصل. ففي المرحلة الثانوية، 92.8 % من الطلاب مسجلون في شبكة واحدة على الأقل، و75.8 % في ثلاث شبكات أو أكثر. أما في المرحلة الابتدائية، فـ78.3 % لديهم حساب على الأقل، و43.6 % في ثلاث منصات أو أكثر. ومن أكثر التطبيقات استخدامًا: واتساب 78.4 %، يوتيوب 78.4 %، تيك توك 66.9 %، وإنستغرام 60.6 %.
وهذا يستهلك وقتًا طويلًا: إذ يقضي 8.9 % أكثر من خمس ساعات يوميًا على وسائل التواصل خلال أيام الأسبوع، وترتفع النسبة إلى 19.9 % في عطلة نهاية الأسبوع. كما تظهر فروق واضحة بين الجنسين، حيث تتواجد الفتيات في عدد أكبر من المنصات مقارنة بالفتيان، وغالبًا ما يمتلكن أكثر من حساب، مما يزيد من الضغط المرتبط بالصورة الذاتية والمقارنة المستمرة.
الذين تقل أعمارهم اليوم عن ثلاثين عامًا يدركون جيدًا آثار النشأة وسط الشاشات. فقد جاءت وسائل التواصل بسرعة، وتعلم استخدامها تضمن أخطاءً وانكشافًا مفرطًا. وعاش جزء كبير من جيل زد تحت ضغط إظهار حياة مثالية، والمقارنة المستمرة، والتشبع بالمعلومات. لذلك، تعود اليوم ممارسات كانت تُعد قديمة بمعنى جديد.
استخدام الكاميرات ذات الاتجاه الواحد، والاستماع إلى أسطوانات الفينيل، واللعب بأجهزة قديمة، أو الذهاب إلى أماكن خالية من الهواتف، كلها تُرى كوسائل لاستعادة السيطرة على الوقت والانتباه. كما يُلاحظ عودة إلى المدونات والنشرات الطويلة، التي توفر قراءة أبطأ وأقل خضوعًا لمنطق الخوارزميات.
لكن هذا البحث عن التوازن ليس مسألة جليلة فقط. فمع انتشار الهواتف، تغيّر مفهوم الفجوة: لم يعد الامتياز هو الوصول إلى التكنولوجيا، بل القدرة على الحد منها. فالعائلات الأكثر قدرة توفر بدائل خارج الشاشة: الرياضة، الورش، الأنشطة الثقافية، أو حتى مجرد مساحات للعب والحوار. ولهذا، ومع تزايد الوعي بتأثير وسائل التواصل على الصحة النفسية، يبحث الميسورون عن بدائل أخرى للترفيه.
اليوم، لم يعد الترف امتلاك أحدث جهاز، بل القدرة على إطفائه دون الشعور بالعزلة. وفي العمق، فإن العودة إلى الحياة التناظرية في التسعينيات ليست مجرد حنين، بل محاولة للعيش بوعي أكبر في الحاضر.