حين تُعرض الاضطرابات النفسية بشكل مبسط ومجتزأ عبر وسائل التواصل، تتحول من حالات إكلينيكية معقدة إلى أوصاف عامة يمكن لأي شخص أن يُسقطها على نفسه. فجأة، يصبح التشتت دليلًا على اضطراب، والحزن مؤشرًا على اكتئاب، والتوتر علامة على خلل أعمق. هذه القفزة السريعة من الشعور الطبيعي إلى التشخيص، تخلق حالة من الالتباس بين ما هو إنساني طبيعي، وما هو مرضي يحتاج إلى تدخل.
في هذه المساحة الضبابية، يبدأ بعض الأفراد في تبني هوية مرضية دون قصد واعٍ. لا يقول لنفسه «أنا أتوهم»، بل يشعر أن ما يقرأه يفسر ما يمر به. ومع تكرار التعرض لنفس المحتوى عبر الخوارزميات، ومع غياب التقييم المهني الدقيق، يبدأ العقل في تثبيت هذه الفكرة. هنا لا يكون المرض موجودًا بالمعنى الإكلينيكي، لكنه يصبح حاضرًا في التجربة النفسية للفرد.
العقل البشري لديه قدرة عالية على التكيف مع ما يؤمن به. حين يقتنع الإنسان بأنه يعاني من اضطراب معين، يبدأ في ملاحظة كل ما يدعم هذا الاعتقاد، ويتجاهل ما يخالفه. هذه العملية المعرفية تجعل الوهم يبدو واقعًا، وتدفع الجسد والعقل للاستجابة له كما لو كان حقيقيًا. وهكذا، تتشكل دائرة مغلقة: اعتقاد، ثم سلوك، ثم تأكيد جديد للاعتقاد.
أحد أبرز الأمثلة على ذلك هو ما يحدث مع اضطراب تشتت الانتباه وفرط الحركة. في بيئة رقمية سريعة، حيث التنقل المستمر بين التطبيقات، والمحتوى القصير، والإشعارات المتلاحقة، أصبح التشتت حالة شائعة. لكن هذا التشتت، في كثير من الأحيان، هو نتيجة نمط حياة، لا اضطراب عصبي. ومع ذلك، يقرأ البعض عن أعراض ADHD، فيجد نفسه فيها، ويصل إلى قناعة أنه يعاني من اضطراب، دون تقييم متخصص أو فهم للسياق الكامل.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. الشخص الذي يمر بأزمة حياتية، أو ضغط نفسي مؤقت، قد يشعر بضيق أو فقدان للحماس، وهي استجابات طبيعية في سياق معين. لكن في ظل الخطاب السائد، قد يُعاد تفسير هذه المشاعر على أنها اضطراب اكتئاب. وهنا، يتحول الألم الطبيعي إلى تشخيص، ويبدأ الفرد في التعامل مع نفسه كمريض، لا كشخص يمر بمرحلة.
المشكلة الأكبر لا تكمن فقط في التسمية، بل في الأثر. حين يتبنى الإنسان هوية مرضية غير دقيقة، قد يعيد تنظيم حياته بناءً عليها، فيتجنب التحديات، ويخفف من طموحه، أو يبرر سلوكياته على أنها جزء من «مرضه». بهذا الشكل، لا يصبح التشخيص وسيلة للفهم، بل عائقًا أمام النمو.
ولا يمكن تجاهل دور بعض الممارسات المهنية الضعيفة في تعميق هذه المشكلة. حين يُطلق تشخيص دون تقييم كافٍ، أو يتم تأكيد مخاوف المراجع دون تمحيص، فإن ذلك يرسخ الاعتقاد بدلًا من مراجعته. المهنة النفسية تقوم على الدقة، وعلى التمييز بين ما هو عابر وما هو مرضي، وأي تهاون في هذا الجانب قد يخلق ضررًا لا يقل عن تجاهل المشكلة.
الوعي النفسي الحقيقي لا يعني البحث عن مرض، بل فهم الذات في سياقها. أن يفرّق الإنسان بين ما يشعر به بسبب ظروفه، وبين ما يحتاج إلى تدخل متخصص. أن يدرك أن الحزن جزء من الحياة، وأن التشتت أحيانًا انعكاس لأسلوب العيش، وأن القلق قد يكون إشارة لاختلال مؤقت، لا اضطراب دائم.
في النهاية، ليست كل معاناة مرضًا، وليست كل صعوبة تشخيصًا. الإنسان أعقد من أن يُختزل في قائمة أعراض، وأغنى من أن يُعرّف فقط من خلال اضطراب.