متابعة/المدى
أعلنت السلطات السورية مقتل سبعة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال وامرأة، جراء غارات جوية نفذها سلاح الجو الأردني، على مواقع في ريف محافظة درعا جنوبي سوريا، في تطور أثار خلافاً بشأن التنسيق العسكري بين عمّان ودمشق، بالتزامن مع إغلاق معبر نصيب الحدودي وتعطل حركة المسافرين والشاحنات في الاتجاهين.
ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” عن مدير الصحة في درعا خالد العميان، أن حصيلة الضحايا ارتفعت إلى سبعة قتلى، فيما أعربت الحكومة السورية عن أسفها لسقوط مدنيين، بينهم أطفال، مؤكدة أن العملية العسكرية لم يسبقها تنسيق مع الجانب السوري، رغم إعلان الجيش الأردني أن الغارات نُفذت بالتنسيق مع دمشق.
في المقابل، قال وزير الاتصال الحكومي الأردني محمد المومني إن العملية استندت إلى معلومات ميدانية هدفت إلى “تحييد تهديدات مؤكدة وعمليات إرهابية ضد الأردن”، معلناً أن الضربات أسفرت عن خسائر كبيرة في صفوف التنظيمات المستهدفة، تُقدّر بأكثر من 20 عنصراً، فضلاً عن تدمير مستودع أسلحة ضخم.
وأضاف المومني أن الأردن ينسق مع أطراف دولية للحفاظ على وحدة الأراضي السورية واستقرارها، والتصدي للأطماع التي تستهدفها، ولا سيما في جنوب البلاد، مشدداً على أن المملكة تنظر إلى أمن سوريا باعتباره جزءاً من الاستقرار الإقليمي.
وأكد الوزير الأردني أن بلاده تولي حياة المدنيين خارج حدودها الأهمية ذاتها التي توليها لحياة الأردنيين، وتتخذ الاحتياطات اللازمة لتجنب إلحاق الأذى بهم. وأشار إلى أن القوات الأردنية امتنعت عن استهداف مواقع أفادت المعلومات بوجود مدنيين فيها، معرباً عن الأسف لسقوط ضحايا مدنيين جراء الغارات.
وبحسب وكالة “سانا”، شملت الضربات مواقع في منطقة الطف بمنطقة المسمية، ومحيط بلدتي نصيب والمزيريب في ريف درعا. ولم تقتصر تداعيات العملية على الخلاف بشأن حصيلة الضحايا والتنسيق العسكري، إذ امتدت إلى حركة النقل والتجارة عبر الحدود بين البلدين، عقب قرار سوري بإغلاق معبر نصيب.
وأعلنت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية، وفق ما نقلته الوكالة الرسمية، تعليق حركة المسافرين والتجارة عبر المعبر في الاتجاهين، على خلفية التطورات الميدانية في محافظة درعا. وأوضحت أن القرار يشمل وقف الحركة التجارية وحركة المسافرين بصورة كاملة، حرصاً على سلامة العابرين والعاملين في المنفذ.
وأدى الإغلاق إلى تكدس مئات الشاحنات والمركبات وحافلات المسافرين على الطريق المؤدي إلى مركز حدود جابر الأردني، الثلاثاء، وفق وسائل إعلام أردنية. ونقلت قناة “المملكة” الرسمية أن المركبات اصطفت على امتداد نحو ثلاثة كيلومترات، فيما مُنعت من دخول المركز الحدودي، وبقيت شاحنات مبردة متوقفة منذ ساعات الفجر وسط مخاوف من تأثر البضائع المنقولة.
وأشارت القناة إلى تداول أنباء عن تعرض مركبات أردنية لاعتداءات قرب معبر نصيب، لكنها أكدت عدم تمكنها من التحقق من صحة تلك المعلومات. ويُعد معبر جابر، المقابل لمعبر نصيب من الجانب السوري، أحد المنافذ الرئيسية لحركة النقل والتبادل التجاري بين البلدين، كما يمثل ممراً للشاحنات المتجهة بين دول الخليج وأوروبا. ووفق قناة “المملكة”، عبرت أكثر من 350 ألف شاحنة من خلاله خلال العام الحالي.
ويأتي الإغلاق في وقت تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع المصالح التجارية وحركة المسافرين، ما يضع المعبر أمام تداعيات مباشرة للتوتر الميداني في جنوب سوريا، خصوصاً مع توقف الحركة في الاتجاهين وعدم وضوح المدة التي سيستمر خلالها التعليق.
وكان الجيش الأردني قد أعلن، الاثنين، تنفيذ غارات جوية استهدفت ما وصفها بـ”تنظيمات إرهابية” في جنوب سوريا، مشيراً إلى أن العملية جاءت رداً على الهجوم الذي استهدف كنيسة في محافظة الكرك جنوبي الأردن. وأوضح البيان العسكري أن مقاتلات تابعة لسلاح الجو الملكي دمرت عدداً من المواقع، وأن الضربات أسفرت عن مقتل وإصابة عناصر من التنظيمات المستهدفة، فضلاً عن تدمير آليات تابعة لها.
وأطلق الجيش الأردني على العملية اسم “الردع الأردني – حمود”، نسبة إلى القرية التي وقع فيها الهجوم، بحسب البيان، الذي أشار إلى أن المنفذين يرتبطون بالتنظيمات التي استهدفتها الغارات.
غير أن الروايتين الأردنية والسورية اختلفتا بشأن وجود تنسيق مسبق لتنفيذ الضربات. ففي حين تحدث الجيش الأردني عن تنسيق مع دمشق، أكدت وزارة الخارجية والمغتربين السورية أن الجانب الأردني لم ينسق مسبقاً مع السلطات السورية، وأن دمشق أبلغت عمّان بتحفظها على تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي السورية من دون تنسيق مسبق.
وقالت الخارجية السورية إن الجهات المعنية تتابع التطورات الميدانية في جنوب البلاد، معربة عن أسفها لسقوط قتلى وجرحى من أبناء محافظة درعا جراء الغارات. كما شددت على أن تنفيذ عمليات داخل الأراضي السورية يتطلب التنسيق المسبق، في موقف يعكس اعتراض دمشق على العملية بصرف النظر عن الأهداف التي أعلنها الجانب الأردني.
وفي تصريحات لاحقة، قال المومني إن هناك تنسيقاً مؤسسياً مستمراً بين الأردن وسوريا منذ سنوات في مجالات مكافحة الإرهاب وتهريب السلاح والمخدرات. وأعلن تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة تداعيات العملية ضد تنظيم الدولة الإسلامية وتطوير التنسيق في مجال مكافحة التنظيم.
وأكد الوزير احترام الأردن للدولة السورية وشعبها، واصفاً تنظيم الدولة الإسلامية بأنه خطر مشترك على البلدين، ومشدداً على استمرار دعم المملكة لأمن سوريا واستقرارها. كما قال إن الأردن يعمل مع أطراف دولية لضمان سلامة الأراضي السورية ووحدتها، والتصدي لأي أطماع تستهدفها، خصوصاً في الجنوب.
وتعود التطورات الأمنية الأردنية إلى الهجوم الذي شهدته محافظة الكرك، إذ أعلنت السلطات الأردنية، صباح الاثنين، توقيف مشتبه بهم بتنفيذه، عقب اشتباك مسلح أصيبوا خلاله بجروح بالغة. وأعلن مدير الأمن العام الأردني اللواء عبد الله المعايطة أسماء المهاجمين، مشيراً إلى أنهم ينتمون إلى عائلة واحدة، ومتهماً إياهم بحمل الفكر التكفيري.
وتربط الرواية الأردنية بين الهجوم والغارات التي استهدفت مواقع في جنوب سوريا، في حين ركزت دمشق على سقوط ضحايا مدنيين وغياب التنسيق المسبق. ويبرز هذا التباين في المواقف تحدياً أمام إدارة الملفات الأمنية المشتركة بين البلدين، في ظل استمرار المخاوف من نشاط التنظيمات المسلحة وتهريب السلاح والمخدرات عبر الحدود.
وفي الجانب السوري، أكدت وزارة الخارجية استمرار التواصل مع الأردن للوقوف على تفاصيل العملية وأسبابها، والتعامل مع تداعياتها بما يحفظ الأمن وسيادة الأراضي السورية. وأشارت إلى أن التحفظ على تنفيذ عمليات داخل البلاد من دون تنسيق مسبق لا يلغي الحاجة إلى التواصل بين الجانبين بشأن التطورات الأمنية.
وتبقى تداعيات الغارات مرتبطة بمسارين متوازيين؛ أولهما الخلاف السياسي بشأن التنسيق والسيادة وحصيلة الضحايا، وثانيهما التأثير المباشر في حركة النقل والتجارة عبر معبر نصيب وجابر، الذي أدى إغلاقه إلى توقف عبور المسافرين والبضائع وتكدس المركبات على الجانب الأردني.
وفي ظل استمرار المواقف المتباينة، لم ترد في المعلومات الواردة تفاصيل عن موعد استئناف حركة العبور عبر المعبر الحدودي، فيما أعلنت دمشق استمرار التواصل مع عمّان لمتابعة التطورات والتعامل مع نتائج العملية.